محمود أبو رية

202

أضواء على السنة المحمدية

كيف سوغ كثرة الرواية ! كان أبو هريرة يسوغ كثرة الرواية عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بأنه ما دام لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ، فإنه لا بأس من أن يروى . وقد أيد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النبي ، ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن أبي هريرة أن رسول الله قال : " إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم ، المعنى فلا بأس " . وقال أيضا إنه سمع النبي يقول : " من حدث حديثا هو لله عز وجل رضا فأنا قلته وإن لم أكن قلته " ، روى ذلك ابن عساكر في تاريخه . وأخرج الطحاوي عن أبي هريرة : " إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به ، قلته أم لم أقله ، فإني أقول ما يعرف ولا ينكر ، وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به ، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف " ( 1 ) . روى ذلك وغيره على حين أن الثابت عن النبي أنه قال : " من نقل عني ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار " وقد اضطر عمر أن يذكره بهذا الحديث لما أوغل في الرواية . تدليسه : ذكر علماء الحديث أن أبا هريرة كان يدلس - والتدليس كما عرفوه أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه أو عمن عاصره ولم يقله ، موهما أنه سمعه منه ، والتدليس أنواع كثيرة ، وحكمه أنه مذموم كله على الإطلاق ( 2 ) ، وقد كره التدليس جماعة من العلماء ، وكان شعبة ( 3 ) أشد الناس إنكارا لذلك حتى قال : لأن أزني أحب إلي من أن أدلس ! وقال أيضا : التدليس أخو الكذب . ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس من الرواة فرد روايته مطلقا

--> ( 1 ) ص 23 ج 2 الموافقات للشاطبي . ( 2 ) ص 35 من شرح ألفية السيوطي للشيخ أحمد شاكر . ( 3 ) شعبة بن الحجاج إمام أهل الحديث توفي بالبصرة سنة 160 ه‍ وكان صريحا فيما يقول ومن صراحته أنه كان يقول : " والله لأنا في الشعر أسلم منى في الحديث ، ولو أردت الله ما خرجت لكم ولو أردتم الله ما جئتموني ولكنا نحب المدح ونكره الذم " .